إخوان الصفاء

109

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

الأبدان ، ونجت من بحر الهيولى ، وأعتقت من أسر الطبيعة ، وفازت بالخروج من عالم الكون والفساد ، وارتقت إلى عالم الأفلاك ، وسعت في سعة فضاء السماوات فرحانة مسرورة ملتذة مطلقة حيث شاءت ذهبت ، فعند ذلك تكون ملكا من الملائكة . ومن الدليل على ذلك ما ذكر اللّه ، جلّ اسمه ، من كرامات أهل الجنة وقال : « والملائكة يدخلون عليهم من كل باب » . واعلم يا أخي أن الملائكة لا تسلّم إلّا على أبناء جنسها ، ولا تخاطب إلا من شاكلها ، كما أن الإنسان لا يسلّم على الجماد والحيوانات ، بل على أبناء جنسه من الناس ، ولا يخاطب إلّا أمثالهم منهم ، وإنما ذكر اللّه تعالى سلام الملائكة على أهل الجنة على سبيل الكرامة لأهل الجنة ، لأنهم هم القادمون عليهم ، والملائكة هم المقيمون هناك . ومثال ذلك ما جرت به سنّة الشريعة أن الحاج إذا رجعوا إلى منازلهم فإن المقيمين هم الذين يقصدونهم ويدخلون عليهم فيهنئونهم بالسلام . فعلى هذا المثال يكون حكم نفوس المؤمنين العارفين الأخبار الفضلاء الأتقياء الأبرار الذين هم في الدنيا زاهدون ، وإلى دار الآخرة راغبون ، وإلى نعيمها مشتاقون ، وفي أقوالهم وأخلاقهم وآرائهم ومذاهبهم وعلومهم بالملائكة متشبّهون ، فنفوسهم ملائكة بالقوة ، فإذا فارقت أجسادها كانت ملائكة بالفعل ، ومن الدليل على ذلك قول اللّه تعالى : « الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم . » إلى آخر الآية . واعلم يا أخي أنه ليس كل إنسان يمكنه أن يتصوّر هذا الأمر على حقيقة ما قلنا ووصفنا إلّا بعد رياضة كثيرة في العلوم والمعارف ، وبعد بحث دقيق عن علم النفوس والمعرفة بحقيقة جوهرها ، وبعد ما يكون قد هذّب أخلاقه وصحّح اعتقاده وحسّن مذهبه وزكّى عمله ، ثم نظر في هذا العلم وبحث عن هذا السر الجليل الدقيق ، وطلب هذا الأمر الشريف الجليل ، فإن وقع له